عالم العطور المتغير واستبعاد بعض المواد الكيميائية

يوجد نوعان من العطور في العالم:

  • الأول عطور المشاهير سريعة التغير والتي تصمم لضرب السوق وجني الأرباح قبل أن يتضاءل نجاح النجم.
  • الثاني العطور الكلاسيكية الخالدة بمكوناتها المكلفة ومعجبيها المخلصين.

وهناك الكثير من الأسماء التي تحوي العديد من المكونات ومختلف الكميات التي قد تتغير بمرور الوقت.

ذكرت صحيفة Financial Times مؤخراً أنّ الرابطة الدولية للعطور التي تضبط هذه الصناعة تزيد تقييد وحد المكونات والكميات المسموح استخدامها من قبل العطارين.

أحد الأسباب هو تصنيف بعض المكونات الرئيسية كطحلب السنديان (موجود ضمن عطر Guerlain’s Mitsouko) ضمن المواد المسببة للحساسية. وتطبق الآن قيود أخرى على كل من الياسمين وزهرة الأيلنغ.

الصحة على ما يبدو تجلب السعادة ولهذا خلال نصف القرن الماضي نمت المخاوف من الحساسية الناتجة عن الجزيئات الموجودة في العطور.

توجد المواد العضوية بالقدر الوظيفي نفسه في كل تركيبة. ويتألف كل مكون اصطناعي من جزيء واحد فقط بينما كل مادة طبيعية تتكون من الكثير من الجزيئات المختلفة والتي قد تكون مسببات محتملة للحساسية.

لذلك أصبح الآن الياسمين مركز البحث كما ركز التدقيق على كل من نبات طحلب السنديان والأشنيات. ويعتقد أن جزيئي أترانول Atranol وكلوروترانول Chloroatranol الموجودان في طحلب السنديان يسببان على الأقل 20% من الحساسية التي تسببها المواد المسببة للحساسية.

يتطلع العطارون للمفوضية الأوروبية للتعبيرعن قلقهم لعدم وجود بديل حقيقي يضاهي رائحة طحلب السنديان ولوضع قيود أقل تسمح باستخدام هذا المكون الرئيسي أفضل من ازالته كلياً.

التجارة المربحة:

وجدت المواد العطرية منذ آلاف السنين. وتعرف الحضارات القديمة في الشرق الأدنى والشرق الأوسط كل ما يتعلق بالروائح المميزة التي تخرج عند حرق اللباد وخشب الصندل. ومعرفة هذه الخصائص العطرية تدعم هذه التجارة الرابحة. بالإضافة إلى أنّ هذه التجارة قد عرفتهم على أراضي جديدة كمصر الفرعونية (كليوباترا).

اتقن العرب منذ 1000 سنة فن استخدام أجهزة تقطير النباتات بالبخار كطريقة للحصول على الزيوت الأساسية إضافة للفوائد الجانبية لإنتاج المحاليل المائية المعطرة بدقة مثل ماء الورد المعروف العربية ليومنا هذا. وبحلول العصور الوسطى بدأت العطور تشبه الأنواع التي نميزها الآن والقائمة على حل الزيوت الأساسية في الكحول.

لم يكن وضع العطور في العصور الوسطى ضرورياً بالنسبة للناس باستثناء هنري الخامس (أحد ملوك إنجلترا) الذي استحوذ على المواد المعطرة كالمسك والعنبر لاعتقاده بأنها تقي من الطاعون وتزيل الروائح الكريهة.

ويقال إنّ رائحة ملك نافارا (هنري) وهو الملك الأكثر شعبية في فرنسا قوية جداً لدرجة أنّ زوجته الثانية ماريا دي ميدسيس أغمي عليها عندما قابلته للمرة الأولى.

 

وبعد الثورة الفرنسية عام 1799 أصبح اسم ماء الكولونيا مرادفاً لاسم نابليون بونابارت الذي أمر بكم لا بأس به من الأشياء.

ولغاية النصف الثاني من القرن التاسع عشر كانت صناعة العطور قائمة كلياً على المصادر الطبيعية والتي يتم الحصول عليها بالعموم من خلال عصر أو تقطير المنتجات النباتية وحتى بدء علماء الكيمياء العضوية بفهم بنية الجزيئات وكيفية تصنيعها حتى أصبحت العطور الجديدة رائجة.

أعطى تركيب العطور مخزون ثابت من الجزيئات الأكثر رواجاً بينما كان بعضها الآخر جديداً وغير موجود في الطبيعة.

صنع عطر Houbigant’s Fougere الملكي عام 1882 باستخدام جزئ الكومارين المستخلص من حبوب التونكا عام 1820 في حين تم تركيب عطر Guerlain’s Jicky 1889 باستخدام الفانيلين المصطنع وفق تفاعل رايمر-تيمان Reimer-Tiemann Reaction عام 1874(تفاعل تحويل الفينول إلى سالسيل ألدهيد) ويمكنك شراء هذا العطر ليومنا هذا. ويعتقد أنه من أوائل العطور الحديثة التي صنعت باستخدام طريقة الهيكلة العمودية بالإضافة للميزات الثلاثة الرئيسة التي غالباً ما نفكر بها أثناء تركيب العطور.

الميزة الأولى هي الأثر الأولي الذي يتركه العطر المصنع من أخف الجزيئات والذي يسود في الدقائق القليلة الأولى والتي تقود للميزة الثانية التي تتضمن المادة العطرية الرئيسية المستخدمة وهوية العطر الذي يستمر لعدة ساعات، وفي نهاية المطاف وبعد تطاير جميع الجزيئات يأتي دور الميزة الأساسية والأخيرة وهي الرائحة المتبقية والتي تصاحبك حتى يتبخر كامل العطر.

غالباً ما تسمى الجزيئات الثقيلة بالمثبتات لأنها تساعد على الحد من تقلبات الجزيئات الأخرى الأخف منها. الأثر الأولي في عطر Jicky يؤخذ من قمم أزهار اللافندر والليمون والبرغموت (برتقال هجين بين الليمون والكريفون) متبوعة بأزهار فاتحة بالمثل ووردية في المنتصف ومدعومة بقاعدة دافئة من المسك والعنبر والفانيليا (الشم كرقص الباليه كما وصفها أحدهم).

اكتشف شيء عظيم بالصدفة تقريباً في الوقت ذاته الذي أطلق فيه عطر (Jicky). ففي عام 1888 قام الكيميائي الألماني ألبرت بور بنترجة ثالثي بوتيل التلوين آملاً بأن يكون منتجه مادة متفجرة أفضل حتى من ثلاثي نترو التلوين. لم يكن، ولكنه حصل على رائحة مسك رائعة وسميت بمسك بور. وبعد ست سنوات ذهب بور لأبعد من ذلك وصنع مسك كيتوني صنف بأنه الرائحة الأقرب لرائحة المسك الطبيعي، وحتى ذلك الوقت كان مصدر الجزيئات ذات الرائحة المسكية (الركيزة الأساسية للعطور) هو مسك الغزال.

وبالرغم من أن المسكون (مركب كيميائي عضوي) هو المكون الأساسي لرائحة المسك ويمكن الحصول عليه دون قتل الحيوانات إلا أنّ الممارسة العملية أدت لقتل الغزلان. زودنا اكتشاف بور بحس إنساني عالي وبديل صناعي أرخص.

لحوالي القرن لم يتم الاستغناء نهائياً عن إضافة المسك المنترن للعطور حتى تم اكتشاف أنه يعمل عمل المحسسات الضوئية والتي قد تسبب طفح جلدي ومع ذلك لم يتم إيجاد بديلا مرضيا تماما عنه.

وبالتحديد بعد عام 1900 وصلت دفعة كبيرة من المواد الكيميائية العطرية لأيدي العطارين. أكتشف جورج دارزنز (Georges Darzens) اصطناع جديد يحمل اسمه (تفاعل تكاثف دارزنز Darzens Condensation Reaction) والذي ثبت أنه طريقة ممتازة لتصنيع الألدهيدات ولاسيما ميتيل نونيل أسيت ألدهيد Methyl Nonyl Acetaldehyde الذي يمنح العطور شذى منعش. استخدم هذا المركب عام 1912 في عطور (Houbigant’s Quelques Fleurs) وبعد انتهاء الحرب العالمية كان من أشهر الألدهيدات التي استخدمت من قبل الكيميائي ايرنيست بيوكس (Ernest Beaux) ليمنح عطر كوكو شانيل الخامس اللمعان الباهر.

كون الكيميائيون العديد من الجزيئات العطرية وجعلوها بخدمة العطارين وبأسعار مقبولة مثل مركب ايتيل فانيلين Ethyl Vanillin المستخدم في عطر(Shalimar)، غاما انديكالاكتون Gamma-Undecalactone المستخدم في عطر (Mitsuoko)، ميتيل ديهيدرو الياسمينات Methyl Dihydrojasmonate المستخدم في عطر  (Eau Sauvage; Chanel No 19)، ايتيل مالتول Ethylmaltol في عطر (Angel) والكارنال Karanal في عطر (Gucci pour Homme).

تستخدم تقريباً جميع عطور اليوم مزيج من مصادر طبيعية واصطناعية ويرجح استخدام المصادر الاصطناعية عادة لأنها أكثر توافراً وأكثر رخصاً أيضاً. وعلى الرغم من أن مكونات العطور تكون أرخص بأكثر من 5% من سعر السوق (تكلفة التعبئة والتغليف والدعاية كبيرة)، يقع العطارون دوماً تحت ضغط المحاسبين لإيجاد مكونات أرخص وهذه ليست بالمهمة السهلة.

ساعدت الكيمياء العطارين بإيجاد مكونات جديدة وأرخص ثمنا ولكننا نعلم أكثر بكثير مما نفعله حيال المواد المسببة للحساسية وما تسببه تفاعلات المواد الكيميائية. وكان المسك المنترن من أوائل المواد التي تم حظر استخدامها في تاريخنا الحديث. وينبغي على العطارين الآن إيجاد وسائل لتحسن الرائحة دون أن تسبب تفاعلات غير مرغوب بها.

في المرات القادمة التي تستنشق فيها رائحة مذهلة فكر ملياً بمهارة الأشخاص القائمين على صنع هذه العطور سواء كانوا كيميائيين أو عطارين الذين يجلبون لك هذا الإحساس وكيف أصبح علم العطور أكثر تعقيداً.

JoomShaper