كيمياء النوم

كانت القشة الأخيرة للطالبة جيلي دوس سانتوس عندما أعلن مجلس إدارة مدارس كولومبيا عن تغيير بدء الدوام في مدارس روك بريدج الثانوية من الساعة 7:50 صباحا إلى الساعة 7:20، حيث قالت جيلي (أعتقد أني سوف أموت لو حدث ذلك فعلاً وسأنسحب من المدرسة).

أسست جيلي صفحة على الفيس بوك وحساب تويتر لتشجيع زملائها على الذهاب إلى اجتماع مجلس إدارة المدرسة حيث يجري التصويت على القرار، وصممت العديد من الملصقات والنشرات الإعلانية بمساعدة زملائها، كما قاموا بجمع العديد من الأبحاث التي تدعم فكرتهم، كما اعتصمت عند مجلس الإدارة وقد نجحت في ذلك!

تخلى مجلس الإدارة عن فكرة بدء الدوام من الساعة 7:20 صباحاً، لكن جيلي لم تنتهي على الرغم من ذلك حيث بدأت بحملة في اليوم التالي من أجل تأخير بدء الدوام وزاد إصرارها على ذلك، أخيرًا قام مجلس الإدارة بالتصويت بنسبة 6 إلى 1 على قرع الجرس لساعة متأخرة أيضًا أي في الساعة التاسعة.

لماذا يجد المراهقون صعوبة في الاستيقاظ مبكرًا؟ ولماذا تؤخر العديد من المدارس الثانوية وقت بدء الدوام؟

يمكن أن نجد الجواب في كيمياء النوم.

ساعتنا الداخلية:

تفرز أجسامنا خلال دورة يوم كامل مواد كيميائية تنبهنا على أداء مهام معينة في أوقات معينة، تسمى كل دورة بالساعة البيولوجية *Circadian Rhythm، أحد أهم المواد الكيميائية التي تدخل في هذه العملية هرمون الميلاتونين الذي يجعلنا نشعر بالنعاس، تبدأ كمية هذا الهرمون بالتزايد في المساء ويصل لقمة تركيزه في منتصف الليل ليخبرنا أنه حان وقت النوم ويتناقص مع الصباح لنتمكن من الاستيقاظ.

*الساعة البيولوجية   a circadian rhythm والحياة:

(الساعة البيولوجية ليست خاصة بالبشر بل هي موجودة عند النباتات والحيوانات والفطور والبكتريا، تحرض المنبهات الخارجية كالضوء على التحرر الدوري للمواد الكيميائية التي تعطي إشارات للبدء أو التوقف عن أعمال مختلفة، تتحكم الساعة البيولوجية بجميع أنماط الفعاليات: أوقات الإطعام عند النحل وحركة الأوراق عند النباتات وتضاعف ال DNA في الفطور وغير ذلك، كما تتحكم بنظام نومنا).

تعمل أجسامنا على إنتاج الميلاتونين حسب أوقات اليوم للمحافظة على نظام النوم (نظام 24 ساعة)، تبدأ هذه العملية في شبكية العين عندما تتعرض للضوء حيث يتم إرسال إشارة من الشبكية إلى منطقة في الدماغ تسمى النواة فوق التصالبية Suprachiasmatic Nucleus والتي تلعب دورًا بجعلنا نشعر بالنعاس أو البقاء مستيقظين.

لكن كيف يتم اصطناع الميلاتونين؟ يشتق الميلاتونين من حمض أميني يسمى التربتوفان الذي يتم امتصاصه من مجرى الدم إلى الغدة الصنوبرية (الحمض الأميني هو حمض عضوي يستخدم في اصطناع البروتينات).

يصنع الميلاتونين من التربتوفان من خلال عملية متعددة المراحل، يتم أولاً تحول التربتوفان إلى حمض أميني آخر هو 5هيدروكسي تربتوفان بواسطة أنزيم تربتوفان هيدروكسيلاز ثم إلى مادة كيميائية دماغية هي السيروتونين بواسطة أنزيم أروماتيك أمينو أسيد ديكربوكسيلاز (الأنزيم هو وسيط بيولوجي يزيد من معدل سرعة التفاعل الكيميائي).

يتحول السيروتونين إلى ميلاتونين بواسطة أنزيمين: أنزيم سيروتونين –ن-أستيل ترانسفيراز (SNAT) والذي يحول السيروتونين الى ن-أستيل سيروتونين مع إضافة مجموعة الأستيل (COCH3)، وأنزيم هيدروكسي إندول -O-ميثيل ترانسفيراز (HIOMT) الذي يحول مجموعة الميثيل (CH3) إلى ن-أستيل سيروتونين، تزداد فعالية هذين الأنزيمين عند بداية الليل.

\

تعتمد كمية الميلاتونين المنتجة على فعالية ال SNAT الذي يصل لقمة تركيزه في الليل، ولذلك فإن التعرض للضوء ليلاً يؤدي إلى إطلاق إشارات من شبكية العين إلى النواة فوق التصالبية ومن ثم إلى الغدة الصنوبرية مما يؤدي إلى تدرك ال SNAT، لذلك فإنّ فسفرة ال SNAT تتم ليلاً (الفسفرة هي إضافة مجموعة الفوسفات PO4-3 إلى بروتين أو جزيئات عضوية أخرى) مما يمنع تدرك ال SNAT ومن ثم زيادة إنتاج الميلاتونين.

يتدرك ال SNAT مرة أخرى صباحاً وتقل كمية الميلاتونين مما يسمح لنا بالاستيقاظ).

المراهقون والميلاتونين:

وجدنا أنه من الصعب الاستيقاظ مبكرًا عند المراهقين كما في حالة جيلي بناءاً على الاكتشافات في كيمياء النوم في العقود القليلة السابقة.

ينتج الميلاتونين عند المراهقين متأخرًا ثلاث ساعات عن وقت إنتاجه عند الأطفال و البالغين، مما يبقيهم مستيقظين حتى وقت متأخر، حيث يبقى ال SNAT مفعلاً ويستمر إنتاج الميلاتونين عندما يستيقظون مبكرًا مما يجعلهم يشعرون بالنعاس في الصباح.

يحتاج المراهقون إلى تسع ساعات نوم كل ليلة، لكنهم ينامون بمعدل سبع ساعات فقط كل ليلة بسبب تأخرهم في الذهاب للنوم واستيقاظهم مبكرًا للذهاب إلى المدرسة، مما يجعلهم يشعرون بالنعاس ومن ثم التأثير على قابليتهم للانتباه في الدروس والتعلم.

ماذا يحدث عندما تؤخر المدرسة الثانوية وقت بدء الدوام كمدرسة جيلي؟

أصدرت المدارس حتى الآن تقارير عن فوائد عظيمة، على سبيل المثال حولت مدرسة مقاطعة مينيابوليس العامة وقت بدء الدوام من الساعة 7:15 a.m. إلى الساعة 8:40 a.m.، حيث حصل الطلاب على معدل خمس ساعات نوم إضافية كل أسبوع، فزادت معدلات حضور الدروس، وزاد الانتباه خلال النهار وانخفضت معدلات الاكتئاب.

ومن المفاجئ أكثر انخفاض عدد حوادث السيارات المتسببة من مراهقين في ولاية فاييت في مقاطعة كنتاكي بنسبة 17 بالمئة تقريبا بعد سنتين من اعتماد التأخير في بدء الدوام المدرسي، لذلك تبين أنّ أخذ التغير في توقيت إنتاج الميلاتونين عند المراهقين بعين الاعتبار له فوائد عديدة.

ومع ذلك فإنّ الكثير من المراهقين لم يحالفهم الحظ بالتسجيل في مدارس ذات وقت بدء متأخر، استمرت 40 بالمئة من المدارس الثانوية في الولايات المتحدة ببدء الدوام قبل الساعة 8 a.m. في العام الدراسي 2011-2012، فما الذي تستطيع فعله إذا كنت في هذه المدارس؟ أولاً، قلل التعرض للضوء في الليل وذلك يشمل ضوء التلفاز وجهاز الحاسوب والهواتف، مصادر الضوء هذه تنبه جسمك إلى أنّ الوقت هو النهار مما يسهل من تدرك ال SNAT ويتعارض مع إنتاج الميلاتونين، فلن تشعر بالنعاس مما يكون من الصعب الخلود إلى النوم في وقت معقول.

أيضاً تجنب النوم لوقت متأخر في عطل نهاية الأسبوع، قد يبدو ذلك غير معقول لأنّ جسمك سيجبرك على البقاء في السرير صباح عطلة نهاية الاسبوع لتعويض ما نقصك من النوم خلال الاسبوع، لكن الحقيقة هي أنّ النوم في العطلات يربك ساعتك البيولوجية مما يجعل من الصعب العودة للاستيقاظ مبكرًا خلال أيام الدوام.

عمل موازنة:

كانت جيلي قادرة على استخدام إحاطتها بعلم الكيمياء في إقناع مدرستها بتأخير بدء الدوام، لوجستية هذا النوع من التغيير قد يكون صعبًا، مما يمنع أحياء المدارس من اعتماد هذا الحل، حيث قد تضطر المدارس الابتدائية والمتوسطة لبدء الدوام في وقت أبكر إذا أصبحت المدارس الثانوية تبدأ في وقت متأخر وذلك لأن العديد من المدارس تملك عدد محدود من الحافلات لنقل الطلاب، كما أن الفكرة لم تنل إعجاب أباء الأطفال الصغار ومعظم الناس لا يحبون الاستيقاظ في وقت أبكر من الوقت المعتاد.

وأيضًا لم يتقبل بعض طلاب المدارس الثانوية البقاء في المدرسة حتى وقت متأخر لمشاركتهم في نشاطات بعد الدوام المدرسي، من الواضح أنه من الصعب موازنة نظام النوم البيولوجي عند المراهقين مع متطلبات المجتمع، لكن تحاول الكثير من المدارس تأخير بدء الدوام.

هذا مثال جيد عن أنّ فهمنا للكيمياء في هذه الحالة (تأخر انتاج الميلاتونين 3 ساعات عند المراهقين) يمكن أن يترجم إلى تغيير لتحسين حياتهم.

JoomShaper