التعلم من الدببة النائمة

يثير نوم الدببة خلال فصل الشتاء اهتمام الباحثين في علم الطب إلى حد كبير، فالدب عندما ينام طيلة ستة أشهر أو أكثر يحتفظ جسمه بوظائفه العضوية. العلماء يحاولون سبر إمكانيات الاستفادة من ذلك في الطب البشري.

 

عندما تتساقط الثلوج والأمطار، ويسود البرد والصقيع، وينتشر الظلام والأوحال، يشعر الإنسان بالضيق ويود البعض لو يتمكنون من النوم طيلة الشتاء، كما تفعل الدببة التي تقضي حوالي سبعة أشهر في حالة نوم خفيف، وتخفض خلال هذه الفترة سرعة الدورة الدموية والنبض ثم تتكور وتستسلم للنوم. خلال ذلك تغطي حاجتها إلى الغذاء من احتياطيات الدهن التي جمعتها خلال الصيف والخريف، ولا تطرح خلال طيلة هذه الفترة أي فضلات.

لكن لو نام الإنسان مثل هذه الفترة الطويلة لتهدلت عضلاته وضمرت. وهذا ما يحل بالمرضى الذين يتعرضون إلى كسور كبيرة ويتم تجبير عظامهم فترة طويلة. وقد يتعرضون أيضا إلى ما يسمى "قرحة الفراش" التي تظهر لدى المرضى الذين يضطرون إلى ملازمة السرير.

من الأخطار الأخرى التي تحدق بالإنسان في حال استسلامه للنوم فترة طويلة، إصابته بتسمم داخلي، لأن الجسم ينتج لدى عملية هضم البروتينات النشادر وهيدروجين الكربونات، وهما المادتان اللتان يحولها الكبد إلى مادة بولية، يتم طرحهما عبر الكلى. لكن إذا لم يمكن طرحهما مع البول تضطران إلى التشبع بالدم، وتسببان التسمم، خاصة النشادر. علاوة على ذلك يصاب الإنسان بالجفاف إن بقي فترة طويلة دون شرب الماء. العجيب في الأمر أن الدببة عندما تستيقظ من نومها الشتوي تكون كاملة النشاط، لم تصب بالتسمم ولا الجفاف، وتكون محتفظة بـ 90 في المائة من كتلتها العضلية، ولم تفقد إلا الدهن الذي كانت قد تناولته خلال الصيف والخريف.

تدوير البول

 

الدببة لا تصاب بضرر لأنها تحول نظام تبدل الخلايا إلى نظام تدوير بالغ الفعالية ويعمل كالتالي: لدى الدببة لا يتم طرح النشادر خلال النوم الشتوي مع البول. والكبد لا ينقل المادة البولية إلى الكلى إنما مباشرة إلى الدم. وفي الدم يتحول إلى لعاب، يقوم الدب النائم بابتلاعه من جديد. وفي المعدة تقوم البكتريا بتفتيته إلى نشادر وهيدرو كاربونات من جديد:

أما الجفاف فيتلافاه الدب من خلال توقف الكليتين عن إنتاج البول، وكذلك من خلال تكوره على شكل دائري وتنفسه داخل الفرو، مما يبقى القسم الأعظم من الرطوبة داخل الفرو، فيتنفسها الدب من جديد. أما ما يحتاج إليه من الماء فيأخذه من احتياطيات الدهن لديه.

توجيه هرموني

الحافز الفطري الذي يدفع الدب إلى النوم الشتوي يصدر عن هرمون معين يسمى Hibernation Induction Trigger

ويطلق عليه اختصارا HIT. ويؤدي هذا الهرمون إلى تخفيض نبض الدب إلى نصف مستواه أيام الصيف. إضافة إلى ذلك يوقف هذا الهرمون الشهية، ويخفض حرارة الجسم. ويؤدي تباطؤ التنفس إلى تغير نسبة الأحماض في الدم. ولأن الدب يتنفس بشكل سطحي لا ينفث نسبة كبيرة من أكسيد الكربون، فترتفع نسبة الأحماض في الدم، ويؤدي هذا إلى قيام الأنسجة الدهنية البنية إلى تخفيض نشاطها، وهي التي تتمثل وظيفتها في إنتاج الحرارة عن طريق أكسدة الأحماض الدهنية.

عندما يستيقظ الدب من نومه الشتوي يكون محتفظا بنشاطه

كذلك تؤثر نسبة الأحماض على وظيفة الأنزيمات المسماة phosphofruchtokinasen التي توجه عملية تخفيض الكربوهيدرات في الدم عندما تنخفض نسبة الأحماض خلال النوم الشتوي، تتلف الأنزيمات التي توجه الرجفان. وعندما يستيقظ الدب من نومه الشتوي يقوى تنفسه، ويخرج كميات أكبر من ثاني أكسيد الكربون ثم يبدأ بالرجفان، مما يؤدي بدوره إلى دفء الجسم. وقد يستمر هذا حوالي ساعة إلى أن يستعيد الدب حرارته الطبيعية.

هل يمكن للإنسان أن يستفيد من هذه المعطيات؟

خصائص تجدد الخلايا لدى الدب تثير اهتمام الباحثين في علم الطب إلى حد كبير. وهم يهتمون بشكل خاص بالآليات التي تتم في الدم وتحول دون تلف البروتينات وبالتالي إلى تلف العضلات خلال نوم الدب الشتوي. ويبدو أن الدببة تتمتع خلال نومها أيضا بمناعة ضد هشاشة العظام أو اضمحلالها. فهي تقوي خلال نومها مادة العظام. وعندما اكتشف الباحثون هرمون HIT خطرت لهم فكرة استخدامه في الطب. وهم يأملون في أن يتمكنوا من جعل الأعضاء التي سيتم زرعها من الاحتفاظ بصلاحيتها وقتا أكبر، من خلال معالجتها قبل نقلها بالهرمون الذي يدفع الدب إلى النوم الشتوي.

وبالإمكان التعلم من الدب بعض الأمور أيضا في المعالجة المركزة، فمن الأمور التي يمكن التفكير فيها مثلا، إدخال الذين يصابون بجروح بالغة في حالة نوم شتوي مصطنع من أجل تخفيض نشاط الدورة الدموية. علاوة على ذلك هناك تصورات لإدخال رواد الفضاء في حالة نوم شتوي خلال رحلات فضائية إلى الكواكب البعيدة، مثل المريخ. لكن لم يتم حتى الآن تجربة هذه التصورات في الحيز العملي.

 

 

JoomShaper